فوزي آل سيف
132
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
ولعل هذا الحديث يشرح ما ورد في الدعاء: "كيف وما بعد الموت أعظم وأدهى"، فالموت على صعوبته وشدته وخوف الناس منه إلا أنه يعتبر الحلقة الأسهل، والعقبة الأهون.. وأما الأصعب فهي: إذا تعلق المظلومون بالظالمين! فهل تستحق (ألف ريال أو دولار) تظلم لها غيرك، وتسلبها منه، أن تقف ذلك الموقف حين يتعلق بك مظلومك ولا يتركك حتى يستوفي منك أضعافها مضاعفة في يوم أنت أحوج فيه لمن يزيد في ميزانك لا أن ينقص منه! وليس الأمر في شخص واحد وإنما هو بعدد من أخذت منهم طول عمرك تجمعوا عليك! وليس فقط في الجانب المالي بل في كل ظلم ظلمته، وكل مظلمة اجترحتها! فهنا شهادة زور! وهناك شتيمة شخص! وهناك إسقاط شخص عن موقعه! وهناك تآمر عليه! وهنا إيذاء له وضرب! وجحد حق له وإخفاء ميراث! وأمثال ذلك وكلها تجتمع؛ خصومك يجتمعون عليك؛ والدعاوى والشكاوى تجتمع عليك! ومن أجل ماذا؟ يقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام معلِّما ومهذِّبا (واللّه لأن أبيت على حسك السّعدان مسهّدًا، وأجرّ في الأغلال مصفّدًا أحبّ إلىّ من أن ألقى اللّه ورسوله يوم القيامة ظالمًا لبعض العباد، وغاصبًا لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحدًا لنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطول في الثّرى حلولها..)؟[296] لو حسبت الأمر حتى بالحساب التجاري لوجدت الأمر غير مناسب! فهذه الألف اشتريت بها مثلا عشر وجبات طعام! أو صرفتها في دعوة جماعة للطعام! فإذا بك تطالب في مقابلها بأحقاب ودهور في سجن جهنمي! هذا غير الخزي أمام الخلائق. إن هذه الظلامات هي التي تستنفد رصيدك من الحسنات والصالحات، فإذا بهذه الأعمال تذهب أدراج الرياح في يوم كنت أحوج ما تكون إليها كما عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنه ليأتي العبد يوم القيامة وقد سرته حسناته، فيجيء الرجل فيقول: يا رب ظلمني هذا، فيؤخذ من حسناته فيجعل في حسنات الذي سأله، فما يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة، فإذا جاء من يسأله نظر إلى سيئاته فجعلت مع سيئات الرجل، فلا يزال يستوفى منه حتى يدخل النار)![297] وثالث الأحاديث؛ ما عن النبي المصطفى أيضًا: (الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك) فإن هذا ذنب لا يغفره الله ذلك: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ).[298] (وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه، فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك إن شاء ويتجاوز .(والغريب أن هذا الديوان الذي لا يعبأ الله به ـ مثل سائر الدواوين ـ هو الذي يدقق فيه العباد كثيرًا، وتحصل لهم الوسوسة بشأنه، فبعضهم يكون كثير الشك بل وسواسيًا فيما يرتبط بأمر الطهارة من النجاسة، والوضوء والغسل والصلاة! ويفكر ساعات في الأمر لتضبيط ذلك.. لكنه لا يهتم بمقدار شعرة في حقوق الخلائق عليه، وظلمه لمن حوله! مع هذا الثاني لا
--> 296 لإمام علي عليه السلام : نهج البلاغة - ط دار الكتاب اللبناني 1 / 346 297 (الري شهري : ميزان الحكمة 2 / 1771 298 ) المائدة:72